(عن قصة حقيقة)

مالك أبو خير – خاص اللوبي النسوي السوري

مازالت أبحث بين الصور المسربة عنه منذ بداية تسريبها وحتى اليوم، أضع نظاراتي وأبدأ، وأدعو الله أن يساعد جسدي على تحمل الصدمة إن وجدت جثته بين الجثث. وفي كل مرة أحمد الله أنني لم أجده بينهم، وأترحم على من شاهدتهم بالصور. وفي بعض الاحيان أحسد أمهاتهم … نعم أحسدهن فقد ارتحن وعرفن مصير أبنائهن بعد عذاب طويل … أما أنا فما زلت أتعذب. ثلاث سنوات وأنا أعيش على أخبار تأتي من هنا وهناك، مرة يقولون إنه حي في فرع الأمن الفلاني، ومرة أنه قد مات تحت التعذيب، ومرة يخرج أحدهم من المعتقل ويوصل لي رسالة منه أنه مازال حياً يرزق، لكن جسده منهك من قهر السجن. ثلاث سنوات لا أتمناها لعدوي. تملك المرض من كامل جسمي ولم تعد تنفع الأدوية ولا المهدئات، حتى ان جسدي بات عاجزاً عن الوقوف. أحيانا أتصل باصدقاء له فقط لأسمع أصواتهم وأشعر أنني أسمع صوته من خلالهم. وأتابع صفحاتهم الشخصية على الفيس بوك فقط لأشعر أنه قد يضع إعجاباً لهم أو قد شاركهم فرحتهم. أنا أم عذبها فراق ولدها ونامت على الوجع سنوات بصمت، وأبحث عن أي مصدر أشعر فيه أنني ألامس فيه وجهه، حتى أني انشأت له مجموعة خاصة باسمه على الفيس بوك أصبحت أعد بها أيام غيابه عني، وطلبت من جميع اصدقائه ان يشاركوا فيها. كانوا كثيرين، وفي كل يوم يكتبون من أجل أن يشعروني أني لست وحيدة. كتبنا له الاشعار ونشرنا له الصور، وكنا ننتظر ونواسي انفسنا بأنه لابد أن يخرج ويعود من جديد، ونسي الجميع هذه المجموعة مع الايام وبقيت فيها وحدي أكتب له كل يوم. وأحيانا أبكي وحدي، فقد رحل الجميع إلى حياتهم وبقيت أنا الأم وحدها من تحمل وجع أبنائها. عالم افتراضي كماهو الواقعي، لايختلفان عن بعضهما، فالوجع فيهما واحد، والوحدة أهم ما أعانيه في كلا العالمين. لم أترك صفقة تبادل جرت إلا وسعيت لأن أضع اسمه فيها. لم أترك سمساراً يساعد في إخراجه من المعتقل إلا وطرقت بابه. لم أترك أي وسيلة تذكر إلا وحاولت بها، لكن دون جدوى ولا امل. وكأن فراقه بات مكتوباً عليّ، ولا أمل بأن أشاهده سوى ببقايا صور أحتفظ بها. ناشدت لأجله كل منظمات حقوق الانسان وكل من يستطيع فك أسره، وكانني أصرخ وحيدةً في غرفة مظلمة مهجورة لايسمعني فيها احد. أرجوكم اسمعوا كلماتي هذه، فأنا لا أريد شيئاً سوى أن يصل ندائي … أنا أم سورية تريد ان تحضن ولدها قبل أن تذهب للقاء ربها. تريد أن تشم رائحته ولو لمرة واحدة فقط لاغير … هل يستطيع أحد أن يسمع ندائي… لي ولد أريد ان اشاهده. لم يرتكب ذنباً سوى أنه كان يساعد الآخرين على البقاء على قيد الحياة. أنا أم، ومثلي الكثير من السوريات، تريد رؤية من تشتاق لرؤيتهم … أنا الأم السورية الحزينة التي صلب ولدها ولم تشاهده بعد صلبه … لست أطلب سوى شيء واحد “أعطوني جثته إن مات … وإن كان حياً فاخبروني”.malek