التمييز ضد المرأة في قوانين الأحوال الشخصية للطوائف المسيحية واليهودية

 

 

تتفق قوانين الأحوال الشخصية على تعريف الزواج بأنه عقد بين رجل وامرأة يبيح ممارسة الجنس الشرعي ” ”نكاح”، “الاقتران الجنسي الطبيعي”، “مداواة الشهوة”. ومعظم القوانين تربط غاية الزواج بالإنجاب، ” الزواج عقد بين رجل وامرأة تحل له شرعاً غايته إنشاء رابطة للحياة المشتركة والنسل”
في تعريف الزواج وأحكامه
 تخلو جميع قوانين الأحوال الشخصية من النص الصريح على المساواة في الحقوق بين الزوجين ومن مفاهيم الشراكة وتقاسم المسؤوليات والواجبات، مما يجعل مؤسسة الزواج مؤسسة ذكورية بامتياز. فممارسة الجنس حق للرجل وواجب على المرأة “ليس للمرأة منع الرجل عن نفسها بغير عذر شرعي وإلا عرضت حقوقها للضياع.) المادة 97 من قانون الأحوال الشخصية للموسويين)

للزواج غاية أولية هي ولادة البنين وتربيتهم وغاية ثانوية هي التعاون المتبادل ومداواة الشهوة  المادة 2 فقرة الى من قانون الكناس الشرقية للروم الكاثوليك.
 ويتضح من تعريف الزواج أن المقصود بالإنجاب هو إنجاب أطفال الرجل، الذي يتمتع بحقوق “النسب والولاية والوصاية ….” وينتج عن ذلك كله تهميش النساء.
القانون الوحيد الذي ينص على المساواة في تعريف الزواج هو قانون الأحوال الشخصية للطائفة الأرمينية وذلك في المادة  44 منه: (إن الزواج يوجب على الرجل والمرأة حسن المعاشرة طيلة حياتهما والاقتران الجنسي الطبيعي والأمانة والمساعدة المتبادلة على مبدأ المساواة)
وفقا لشرط الولاية في عقد الزواج تجبر أعداد من النساء على الزواج بمن لا يرغبن “الأمر الذي يعني سنوات من الحياة المشتركة مع رجل مجبرة لا مخيرة في طاعته وخدمته ومشاركته الفراش كما ورد في الفصل الثامن من قانون السريان الأرثوذكس 2003، المادة 33:(  الزوجة ملزمة بمطاوعة زوجها بعد العقد، وعليها مرافقته إلى أي محل كان وإن نأى إلاّ عند الاضطرار واقتناع المحكمة الكنسية بأعذارها).
في سن الزواج:
تتفق جميع قوانين الأحوال الشخصية على تحديد سن زواج الإناث بأقل من السن المحدد للذكور، من حيث المبدأ، ماعدا قانون الروم الأرثوذكس أما الخطورة فتكمن في الاستثناءات التي تسمح بزواج الصغار وبخاصة الفتيات دون السن المحدد في أحكام القوانين ذاتها
يحدد قانون الأحوال الشخصية للروم الأرثوذكس سن الزواج بسن الرشد ، إلا أن هناك استثناء ورد في تتمة الفقرة (أ) ( وعند الضرورة يجوز عقد الزواج بين طالبيه إذا تمتعا بالأهلية القانونية ولم يكن طالب الزواج دون السابعة عشرة من العمر وطالبة الزواج دون الخامسة عشرة مع مراعاة حال البنية والصحة وموافقة الولي وإذن راعي الأبرشية).

بينما قانون الطوائف الإنجيلية حددت سن الزواج في المادة 23 للرجل ب18 سنة وللفتاة بستة عشر، إلا أنه أورد استثناء  في المادة 24  أجاز تزويج الرجل دون سن الثامنة عشر والفتاة دون سن السادسة عشر، وأما قانون الأرمن الأرثوذكس   فقد نص في المادة 15 أنه يحق للرجل الزواج عند بلوغه  ال 18 والفتاة 15 سنة.  وقد ورد استثناء ايضاً عل هذه المادة بأن سم للذكر بالزوج الذي أتم السادسة عسر  والفتاة التي أتمت الرابعة عشر ، وعند الطائفة الموسوية سمح بزواج الفتاة التي بلغت الثالثة عشر من عمرها.
في الولاية
تمنح جميع قوانين الأحوال الشخصية حق الولاية “مطلقاً” لذكور الأسرة ولا تمنحها للنساء، حتى أن قانون الأحوال الشخصية للكاثوليك الذي سمح، بعد تعديله 2006، بنقل الولاية إلى الأم قد اشترط سقوط حق الأب في الولاية، وبعدها فقط، تكون الولاية للأم، وفق شروط حددتها المادة 91 منه. وكذلك أعطى قانون الأحوال الشخصية للسريان الأرثوذكس حق الولاية لعائلة الأم في الولاية ولكن بالدرجة الثانية، وفي الخطبة فقط.

الولاية قانون الأحوال الشخصية الروم الأرثوذكس :

 نصت المادة 27  يقيم الأولاد عند والدهم بحكم ولايته عليه إلا في الحالات التالية  عند الحاجة الى حضانة الأم حتى سن 13 للأنثى وللذكر حتى سن 15  عند انفكاك الزواج بسب الأب ، عند وجود أسباب مشروعة تنفي عن الوالد أهليته لتربيتهم.
الولاية في قانون الأحوال الشخصية للكاثوليك:
المادّة 87: السلطة الوالدية أو الولاية الأبوية هي مجموعُ حقوق الوالدين على أولادهم وواجباتُهم نحوهم، في النفس والمال، إلى أن يدركوا سن الرشد، سواء أكان هؤلاء الأولاد من زواج شرعي أم من تبنٍّ صحيح.
المادّة 91: الإرضاعُ يختص بالأم. أمّا سائرُ حقوق وواجبات السلطة الوالدية فمحصورةٌ مبدئياً بالأب، لكنها تنتقل إلى الأم عند سقوطِ حقه فيها أو حرمانِه منها بشرط أن تكون الأم أهلاً وتتثبت المحكمة من أهليتها وتمنحها إعلاماً بانتقال هذه السلطة إليها
الولاية في الأحوال الشخصية لطائفة السريان الأرثوذكس:
”المادة 6: ( الولاية في الخطبة تكون للأب، فالجد لأب، ثم الأخ فابن الأخ، ثم العم فابن العم، ثم الجد لأم، ثم الخال فابن الخال، ثم مطران الأبرشية أو نائبه(
المادة 81: ( الولاية على القاصر شرعاً وطبيعياً هي أولاً للوالد ما لم يكن محجوراً عليه أو مفارقاً الدين أو متعذراً عليه القيام بواجب الولاية، ثم لمن يوليه الأب نفسه قبل موته من المسيحيين. )
الولاية في الأحوال الشخصية للمذاهب الإنجيلية
 المادة 34: (الزوجة مديرة شؤون المنزل الداخلية ولها الحق أن تنفق من مال زوجها أو على حسابه في سبيل اللوازم المنزلية ضمن المخصصات التي يعينها لها الزوج، ولها بعد الزوج الحق الأول في الولاية والوصاية على الأولاد. —
 الولاية في الأحوال الشخصية لطائفة الأرمن الأرثوذكسية)
 المادة 48: (لا يمكن للمرأة أن تهتم بعمل أو أن تمارس مهنة إلا بموافقة زوجها المباشرة أو غير المباشرة. إذا رفض الزوج إعطاء الموافقة وأثبتت الزوجة أن مصلحة الاتحاد والعائلة تقضي أن تهتم بعمل أو أن تمارس مهنة يمكن لمحكمة البداية أن تعطي الإذن المطلوب)


في الطلاق،الفسخ،الهجر، انفكاك الزواج وبطلانه:

يقع الطلاق الطوائف المسيحية فيها عموما في حالة الزنى من قبل أحد الزوجين، وتنفرد الطوائف الكاثوليكية بأنها لا تسمح بالطلاق أبدا، بل ببطلان الزواج
ويتساوى الزوجان في أحكام الطلاق والهجر وبطلان الزواج وفسخه في قوانين الأحوال الشخصية للطوائف: الإنجيلية، الأرمينية الأرثوذكسية، الكاثوليكية
أما قوانين الأحوال الشخصية للروم الأرثوذكس والسريان الأرثوذكس فتتضمن تمييزًا في أحكامها بين حقوق الزوج والزوجة في طلب فك الزواج كما يلي:
المادة 69 في الأحوال الشخصية للروم الأرثوذكس : يعد بحكم الزنى تطبيق أحكام المادة /68/ بناء على طلب الزوج، وذلك على سبيل المثال لا الحصر:
ج ـ إذا غافلت زوجها وباتت خارج بيت الزوجية دون رضاه في مكان مشتبه به إلا إذا كان زوجها قد طردها من منزله أو مارس العنف حيالها فلها حينئذ أن تلجأ إلى بيت والديها أو إحدى نسيباتها وفي حالة عدم وجودهم فإلى مكان أمين لا شبهة فيه. )
وجاء في المادة 48 من قانون الأحوال الشخصية لطائفة السريان الأرثوذكس: يحكم بالهجر أو الفراق في الحالات الآتية:
5 ـ إذا حكمت المحكمة الكنسية على الزوجة بأن تتبع رجلها إلى محل إقامته ورفضت ذلك أو حكمت عليها بالعودة إلى البيت الزوجي وعيّنت لها مهلة للعودة ولم تعد ولم تقدّم عذراً شرعياً.
المادة 54: الفقرة 4: إذا أتلفت الزوجة زرع الرجل عمداً يفسخ الزواج.

أما لدى الطوائف الموسوية  فإن ف‘ن الطلاق في يد الرجل وليس لقبول المرأة الطلاق أي أثر في وقوع الطلاق.
تتضمن قوانين الأحوال الشخصية تمييزا واضحا بين حقوق الرجل وحقوق المرأة في الطلاق ولا تقل آثار الطلاق أو الأشكال الأخرى من التفريق شدة على النساء المسيحيات عن غيرهن من المسلمات أو الدرزيات، نظراً للوضع الاقتصادي والاجتماعي والقانوني المتشابه بين جميع النساء.
تفقد المرأة كل مساهماتها المالية في ممتلكات المنزل ما لم تحتفظ بوثائق تثبت هذه المساهمات وتشترك في ذلك جميع القوانين، باستثناء قانون الطوائف الكاثوليكية الذي مكّنها من الاحتفاظ ببيت الزوجية في حال إبطال الزواج من قبل الزوج أو وفاته.
النظرة الذكورية المجتمعية تعتبر النساء المطلقات والأرامل مستباحات مما يعرضهن للتحرشات من قبل الذكور سواء في مجال العمل أو العائلة
العدة
فرضت قوانين الأحوال الشخصية العدة على المرأة، بعد الطلاق أو وفاة الزوج: لدى الأرمن الأرثوذكس بعد انقضاء 300 يوم  والموسويين بعد انقضاء تسعين يوماً. ولم تتضمن بقية القوانين أية أحكام تتعلق بالعدة.

الحضانة:

معظم قوانين الطوائف المسيحية  تحدد سن الحضانة للطفل الذكر ب 15 سنة وللأنثى ب 13 سنة، ويزيد عليها قانون الأحوال الشخصية لدى الكاثوليك  والأرثوذكس الذي يأخذ بعين الاعتبار مصلحة الطفل الفضلى. وتجمع القوانين الكنسية على إسقاط الحضانة  في حال نشوز المرأة  أو عند زواجها.

أما لدى الطوائف الموسوية  فإن الأم أولى بحضانة الولد حتى ست سنوات والبنت حتى تتزوج.

الإرث:

يوزع بالتساوي بين الذكر والأنثى بالتساوي  بعد التعديلات الأخيرة التي جرت في العام 2010  على قوانين الطوائف المسيحية، وكان الكاثوليك سابقين في موضوع التساوي بالإرث.

أما لدى الطائفة الموسوية فإن أرث الزوجة ينتقل للزوج كاملاً لايشاركه فيه أحد.
إن التمييز في قوانين الأحوال الشخصية لدى المسلمين والمسيحيين على السواء  يبدو شديد التعقيد بسبب وجود عدد من قوانين الطوائف التي تتحكم بحياة النساء، وجميعها تعزو أحكامها إلى الشرائع المقدسة، مما يجعل كل عمل أو نشاط من أجل المساواة في الحقوق بين النساء والرجال في مواجهة مباشرة مع الدين والقائمين عليه، لاسيما بعد تزايد تأثير القوى الدينية المتشددة في الذهنية المجتمعية الذي كان تأثيره واضحاً في التشريعات.

ونقترح في هذا الإطار:
1- إعادة صياغة الأحكام المتعلقة بالزواج إلى مبدأ الشراكة وتقاسم المسؤوليات في العلاقات بين الزوج والزوجة، بما يرسخ التزام كل منهما بالآخر وفق مبدأ الخيار الحر، ويرسي قواعد التكافل والتضامن بينهما في الإنفاق وفي إدارة شؤون الأسرة بكل عواملها ومكوناتها واحتساب عمل النساء داخل المنزل مساهمة في الإنفاق مما يلغي فكرة إعالتهن من قبل الزوج من أذهان النساء والمجتمع.

2- أهمية تحديد سن واحدة لزواج الفتى والفتاة بما لايقل عن 18 عاما، ووضع قيود وضوابط مشددة على زواج الصغار،واتخاذ إجراءات رادعة لضمان تنفيذها.

3-  إقرار مبدأ الولاية والوصاية المشتركة على الأطفال أثناء الزواج وعند انتهائه، واعتماد مصلحة الطفل الفضلى في أحكام الحضانة، وكل ما يتعلق بتوفير وسائل الأمان والاستقرار والنمو السليم له.

4- إلغاء الطلاق التعسفي، وإقرار مبدأ المساواة في حقوق طلب الطلاق وصيانة حقوق الطرفين المادية، بما في ذلك تقاسم الأملاك في حال حدوثه، سواء عملت المرأة، خلال الزواج، خارج المنزل أو لم تعمل، باعتبار العمل المنزلي ورعاية الأسرة عملا ذا قيمة مادية يشكل مساهمة رئيسة في أملاك الأسرة التي تتحصل أثناء الزواج.

5-اقرار مبدأ المساواة في الإرث، كما في الأملاك الأميرية، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بتمكين النساء من الحصول على حصصهن الإرثية، وإلغاء التسهيلات الحالية التي تسمى” التخارج” لصالح الأخوة، غالبا، والتي كثيرا ما تقوم به النساء مرغمات، محرجات أمام الضغوط الاجتماعية.

5-إلغاء تعدد الزوجات واتخاذ الإجراءات الكفيلة بإزالة الأسباب التي تجبر النساء على القبول به، وذلك بتوفير سبل الحماية والعيش الكريم لهن
6-  اعتماد سياسات واضحة لا لبس فيها لنشر ثقافة المساواة بجميع السبل الممكنة كوسائط الاعلام والمناهج التربوية والمنظمات الشعبية والنقابات والأحزاب والحركات السياسية ومنظمات المجتمع المدني.

7-اعتماد آليات قانونية ومؤسسية لمكافحة كل أشكال التمييز القانوني ضد النساء، وحماية النساء من مرتكبيه سواء كان جهة رسمية أو غير ذلك، وإيجاد آليات فعالة تمكّن النساء من مقاضاة مرتكبي التمييز، ودفعهن إلى ممارسة حقهن في ذلك.

الاستاذ المحامي ميشيل شماس