زواج الصغيرات في القوانين السورية

                                               

المحامي ميشال شماس

 

دمشق 5/2/2015

مآسي كثيرة وكبيرة إنسانية واجتماعية واقتصادية مازلت تحدث في سورية والعالم العربي نتيجة السماح بتزويج الصغيرات وتشريع اغتصابهن باسم القانون من خلال سن قوانين تسمح بزواج الأطفال.

المتتبع لقوانين الأحوال الشخصية في سورية الإسلامية منها والمسيحية يجد أنها تتفق جميعها على تحديد سن زواج الإناث بأقل من السن المحدد للذكور، من حيث المبدأ، ماعدا قانون الروم الأرثوذكس، لكن الخطورة تكمن في الاستثناءات التي يضعها مشرعو تلك القوانين الطائفية، والتي تسمح بزواج الصغار وبخاصة الفتيات دون السن المحدد في أحكام تلك القوانين نفسها إلى حد سن 13 سنة للفتاة. فأي جريمة تُرتكب أمامنا بحق الطفولة.. دون أن نستطيع وقفها أو الحد منها على الأقل.

فعلى الرغم من أن قانون الأحوال الشخصية العام في سوريا  قد اشترط أساساً في أهلية الزواج العقل والبلوغ (المادة 15)،  وحدد في المادة 16منه أهلية الزواج للفتى بتمام الثامنة عشرة، وللفتاة بتمام السابعة عشرة من العمر،إلا أنه  عاد ووضع استثناء خطيراً في المادة 18 منه  حيث أجازت تلك المادة  للقاضي  تزويج الفتى في الخامسة عشرة والفتاة في الثالثة عشرة من عمريهما إذا تبين له صدق دعواهما واحتمال جسميهما : ((أنه إذا ادعى المراهق البلوغ بعد إكمال الخامسة عشر أو المراهقة بعد إكمالها الثالثة عشر وطلبا الزواج بإذن القاضي، إذا تبين له صدق دعواهما واحتمال جسميهما). أي أن القاضي هنا هو قاض وطبيب يستطيع بنظرة منه إن كان جسميهما يحتملان الزواج وأن الفتاة الطفلة تستطيع أن تحمل وتلد وتربي أطفالها دون أية مشاكل صحية أو اجتماعية. وأن مثل تلك الفتاة الصغيرة ستستطيع التعامل مع الحمل ومع طفلها الذي ستلده، وهل ستكون قادرة على تربيته وتعليمه وتغذيته،وهي لا تستطيع التمييز بين ما هو خير وبين ما هو شر، وبين الصح والخطأ؟ وهي التي مازالت بحاجة إلى التربية والتعليم!

ولا يختلف الأمر كثيراً في قوانين الطوائف المسيحية، فمن يطلع على قانون الأحوال الشخصية للروم الأرثوذكس الذي ساوى بين المرأة والرجل في المادة 13 منه حيث حدد سن الزواج بسن الرشد المحدد في القوانين المدنية السورية، إلا أن هناك استثناء ورد في تتمة الفقرة (أ) يقول الاستثناء: ( وعند الضرورة يجوز عقد الزواج بين طالبيه إذا تمتعا بالأهلية القانونية ولم يكن طالب الزواج دون السابعة عشرة من العمر وطالبة الزواج دون الخامسة عشرة مع مراعاة حال البنية والصحة وموافقة الولي وإذن راعي الأبرشية).

أما قانون الطوائف الإنجيلية فقد حددت المادة 23 منه سن الزواج للرجل ب18 سنة وللفتاة بستة عشر، لكن نص المادة 24 من  نصت على استثناء أجاز تزويج الرجل دون سن الثامنة عشر والفتاة دون سن السادسة عشر، وكذلك الأمر في قانون الأرمن الأرثوذكس الذي حدد في المادة 15 سن الزواج ( يحق للرجل الزواج عند بلوغه  ال 18 والفتاة 15 سنة.) ونصت نفس المادة أيضاً على استثناء  سمح فيه( لمطران الأبرشية بالاتفاق مع الرئيس الجسماني لمحكمة البداية ورئيس المجلس الروحاني أن يأذن زواج الرجل الذي أتم السادسة عشرة من عمره والمرأة التي أتمت الرابعة عشرة من عمرها في حالة غير اعتيادية ولسبب مهم جداً)

والأمر نفسه تنص عليه قوانين الأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية في المادة 800 منه التي أجازت زواج الرجل بعد بلوغه سن السادسة عشر والمرأة سنة الرابعة عشر.

أما قانون الأحوال الشخصية للسريان الأرثوذكس فاشترط في الخطبة والزواج أن لايقل عمر الشاب عن 18 سنة  وسن الفتاة عن 16 سنة. واشترط  في المادة 5 منه  لخطبة الفتاة عند بلوغها سن 16 ان تخطب من أبيها أو ولي أمرها.

وأما في قانون الأحوال الشخصية للموسويين ” اليهود”  فقد نصت المادة 20  على : ( يكون الرجل لائقاً للزواج عند بلوغه سن 18  بينما لم يرد أي ذكر للفتاة متى تكون لائقة للزواج.  إلا أن نص المادة 23 أجازت الزواج للرجل عند بلوغه سن 13  وللزوجة عند بلوغ سن الثانية عشرة والنصف وبحيث أن تنبت عانتها ولو شعرتين”

لا حظوا  كيف أن قوانين الطوائف يعتبرون من يبلغ السادسة عشر من عمره رجلا  ومن تبلغ سن الرابعة عشرة امرأة.. إنه تزييف لواقع الحال  وجريمة كبيرة، لابل هي جريمة اغتصاب مكتملة الأركان بحق الطفولة.

ترى هل أدرك مشرعو الطوائف المخاطر الكبيرة التي تنتج عن الزواج المبكر قبل سن البلوغ ، وبخاصة زواج الصغيرات؟ فالحمل قبل سن العشرين هو حمل عالي الخطورة، لأن تكوين الفتاة الجسدي لا يكتمل قبل هذا العمر, ناهيك بالنمو العاطفي والانفعالي الذي لا يساعدها على تحمل مسؤوليات الزواج والأسرة، فقد لا تتم حملها بمدته الكاملة لأن جسمها لم يكتمل نموه بعد، وقد تتعرض للإجهاض المتكرر. وتصاب بفقر الدم، خاصة خلال فترة الحمل. وقد تزداد نسبة الوفيات بين الأمهات الصغيرات أي ما بين 13و19 عاماً عن الأمهات اللواتي تزيد أعمارهن عن العشرين عاماً بسبب الحمل. كما تزداد وفيات أطفال الأمهات الصغيرات بنسبة أكبر من الأمهات الأكبر سناً، وذلك لقلة الوعي والمعرفة بالتربية وأمور التغذية. هذا عدا المخاطر النفسية والاجتماعية التي تتعرض لها الفتاة التي تتزوج قبل سن البلوغ. فالفتاة في مرحلة المراهقة لا تستطيع أن تبدي رأيها في أمور حياتها الزوجية بثقة وارتياح، خاصة بعد حرمانها من التعليم ومن تعلم مهارات الحياة بشكلٍ عام، سواء في مجال العناية بالأسرة، والزوج والأطفال، أو بالتعامل مع محيطها الاجتماعي والزج بها في أتون الزواج المبكر وهي مازالت غارقة في أحلام الطفولة، مما يجعلها فريسة سهلة لتدخل الغير من الأهل والأقارب في حياتها الشخصية الخاصة.

لذلك و انطلاقاً مما تقدم، فقد حان الوقت لوضع حد لهذه الجريمة المستمرة بحق أطفالنا، ونتائجها المدمرة على مجتمعنا من خلال تدخل تشريعي تُسَنّ بموجبه قوانين جديدة تحظر الزواج قبل بلوغ الفتاة والفتى سن البلوغ المحدد بثماني عشرة سنة. وفي نفس الوقت تشديد العقوبات على المخالفين. كل ذلك من أجل إنقاذ الطفولة البريئة، ومن أجل خلق جيل متعلم وسليم ونظيف خال من الأمراض، قادر على بناء مجتمع سليم ومعافى وقيادته نحو التطور والتقدم إلى أمام.