مية الرحبي

رحل حسين العودات…

منذ حوالي شهر اتصلت  بي رغد وبلهفة:

– حاكي جدو ضروري، ماعم يقدر يتصل بك،

اتصلت ردت علي أم خلدون .. وأعطتني إياه ، بصوت واهن متقطع استطاع أن يبلغني جملة واحدة:

– سأرسل لك الكتاب لتنشريه عندك..

انتهت المكاملة.. أطبق علي وجوم وذهول.. له يا أستاذ حسين.. أيها الطود الشامخ.. أيهزمك المرض والموت؟

اعتصر قلبي حزن وألم، طغى على الفخار الذي أحسسته.. سيكون لدارنا المتواضعة شرف نشر آخر كتاب له.

وتداعت الذكريات، يوم حملت بخجل مجموعتي القصصية الأولى وذهبت بها إلى دار الأهالي، بعد أن أصر عليَ المرحوم سعد الله ونوس أن أنشرها بعد أن قرأها، وأخبرني أنه حرام أن تبقى حبيسة قلبي وجدران بيتي…

استقبلني الأستاذ حسين بوده وبشاشته المعهودة، وكان هذا أول لقاء لي به، فاجأتني بساطته في الحديث وتجاوزه أي حاجز يمكن أن يعيق تواصله مع شخص يراه لأول مرة، مزاحه الراقي، وحديثه المرح عن حوران، وسخريته اللطيفة التي يتناول بها أكثر الأمور جدية وتعقيدا… سألته متى سيعطيني رأيه في المجموعة ويقرر إن كان سينشرها أم لا، نظر إلي مبتسما وأجابني:

– وهل أجرؤ أن أخالف سعد الله بعد أن قال لي أن علي أن أنشرها؟؟

كان ذلك اللقاء الأول، تلاه فيما بعد تاريخ طويل، نشر لي روايتي فرات، وتعرفت على كتابه المرأة العربية في الدين والمجتمع وكان أحد الركائز التي استندت إليها في أبحاثي الأولى عن النسوية وقضايا المرأة.

المحطة الثانية التي جمعتنا كانت لجان إحياء المجتمع المدني حيث عملنا معا لسنوات في محاولة يائسة لكسر الطوق الأمني الحديدي الذي فرضه النظام الاستبدادي على أي نشاط أو تحرك سياسي أو مدني، التقينا عشرات بل مئات المرات، وكانت أغلب اللقاءات تتم في مكتبه، غير هياب، وغير مكترث للحصار الأمني الذي أحاط بنشاطنا وعكر حياتنا بخوف دائم من الاستدعاء والاعتقال، ومنع السفر، الذي طالنا سنوات عدة.

ويوم اعتقله النظام لم يوقفنا شيء عن الاعتصام في شارع أبو رمانة رغم أننا كنا نعرف عواقب جرأة كهذه مع نظام لا يرحم، ضُربنا يومها من قبل عناصر الأمن، وتفرقنا، أذكر أنها كانت المرة الأولى التي انهمرت فيها دموعي قهرا.

وقامت الثورة… ولم يخش حسين العودات إعلان موقفه منها.. انتسبنا معا إلى لجنة التنسيق، واختلفنا، وانسحبت منها، ولم يطل الأمر بالأستاذ حسين أن أعلن هو الآخر انسحابه، ولكن بقيت له ساحة النضال واسعة لم يأل فيها جهدًا للتعبير عن مواقفه الوطنية الصادقة الشجاعة في محاربة الاستبداد والنضال من أجل سوريا حرة ديمقراطية.

كان حسين العودات نصيرًا للمرأة في جيل كان من النادر أن يوجد فيه نصير حقيقي لها كمان كان هو، دافع عن حقوقها، كتب الكثير من الأبحاث المتعلقة بها ككتابه الهام : المرأة العربية في الدين والمجتمع عام 1996، وبحثه عن المرأة في مناهج التعليم ومن ثم كتابه الأخير الذي كان لنا شرف الحصول على حقوق نشره في دار الرحبة والذي سنحاول إصداره قريبا.

مسيرة طويلة اختلفنا فيها واتفقنا، تشاجرنا وتصالحنا، إلا أنه كان دائما الأب والأخ والصديق الذي ألتمس منه النصح والمشورة، كان سندا لنا جميعا وداعما لكل من قال كلمة حق.

وفي لقائنا الأخير في بيروت، وكانت علائم الضعف قد بدت واضحة على جسده الهزيل المتعب، التفت إلى رغد وقال لها بمزاحه المعهود:

  • هنالك امرأتان في هذه الحياة أخشى رأيهما، إحداهما مية الرحبي،

وضحكنا طويلا…

منذ بداية الثورة كان متفائلا، يبث روح التفاؤل في كل من يصادفه ويلقاه، في حين كنا نحن ننجر إلى وديان اليأس أحيانا.

هل فقدت تفاؤلك في الشهور الأخير فعزفت عن الحياة ورفضت حتى الطعام والشراب في ما يشبه إصرار الروائي على إنهاء ما ابتدعه في لحظة يختارها هو؟ هل حقا فقدت تفاؤلك؟ من الذي سيمدنا به بعد رحيلك؟ أتتركنا للحزن على وطن اتفق العالم بأكمله على دماره؟ أتتركنا نتحسر على ما آلت إليه ثورتنا التي علقنا عليها آمالنا في الحرية والعدالة والكرامة.

أم أن ذكراك ستبقى تبعث فينا الأمل أن النصر آت لامحالة؟

فالشعوب لا تموت ولو تكالبت عليها أمم الأرض كلها. سيحيا شعبنا وسنعود للوطن وسيكون طيفك بينا يشاركنا تحقيق حلمنا بالدولة العلمانية الديمقراطية التعددية، دولة الحق والعدل والقانون، دولة جميع مواطنيها دون تمييز بينهم، دولة المساواة بين المرأة والرجل، دولة كل الأفكار الوطنية الحرة التي آمنت بها وآمنا بها معك،

لن نقول لك وداعا فسيكون طيفك بيننا عندما نعود، وسنعود…