الكتابة بما هي مجازاً: احتمالية النجاة، الوقت المستقطع بين موت وموت، الهرب من الواقع غير المحتمل إلى واقع يمكن احتماله، هي مقاومة اليأس باللغة. وفي واقعنا السوري: هي كل ما ذكر، حيث هويتنا مهددة بالتلاشي، وحيث نقف على مفترق تحديات جديّة كل يوم، تجبرنا على استخدام أساليب جديدة للمقاومة. في واقعنا هذا يمكن إضافة تعريف جديد للكتابة، فهي، بمعنى ما: مقاومة النسيان، نسيان تفاصيلنا البشرية التي تُمتهن كل يوم منذ أصبحنا خبراً على وسائل الإعلام، هي مقاومة نسيان هويتنا وجوهر وجودنا كبشر.
بعد أربع سنوات من التوق إلى الحريّة والإصرار على سحق طالبيها من الجانب الآخر، من المطالبة بالكرامة، ومن الإصرار على دوسها يومياً بالبسطار العسكري، من مقاومة الموت واختراع وسائل جديدة للقتل، من الدأب على استنهاض إرادة الحياة واستحالة أبسط شروط العيش، من كل هذا تولدت تجربة كتابية جديدة لدى السوريين، وامتلأ قاموسهم الخاص بالمفردات التي تخصّهم وحدهم، وتشكل اختصاراً للكثير من الصور والمشاهد والتجارب التي يصعب فهمها من قبل من لم يعش التجربة، فمن يمكن أن يفهم كلمة “حاجز” أكثر من السوريين أو كلمة “هاون” أو “قناص” أو “فرع” أو “بوط” ؟؟… والقائمة تطول.
الكتابة المؤنثة لا تعني ما تكتبه النساء، ولا تلك التي تُعنى بهموم المرأة وحقوقها وكل شؤونها، بل الكتابة التي تستحضر تفاصيل تجارب الآخرين، وتضعها في مكانها الصحيح لتشكل لوحة إنسانية عامة. الكتابة النسوية تحتفي بالأنوثة ليس بوصفها جوهراً بيولوجياً، بل بوصفها جوهراً ثقافياً، هي اكتشاف وإعادة تقييم وتشكيل للمألوف في سياق الذات الأنثوية.
في حين سعت النسويات “البيضاوات” لإيجاد تجربة نسّوية عالمية، تولدت أشكال جديدة في اتساقات مختلفة في مناطق “السود”، مناطق العالم المنسيّ بين الحرب والجوع، مناطق إنسان العالم الثالث وربما الرابع والخامس، مناطق المجاعات والحروب المديدة والثورات على الاستبداد. هي تجارب يمكن النظر إليها في سياق التجربة الإنسانية عامة، إلا أنها تحمل الكثير من الخصائص والصفات التي لا شبيه لها في التجارب الإنسانية السابقة.
تكتب “ناهد بدوية” في إحدى مقالاتها بعنوان: (النسوية الثالثة والتعددية والاختلاف وتغيير العالم):
“.. غالباً ما تكتسب النساء خبرتهن حول الاضطهاد الجنساني من خلال النساء أو مجموعات النساء اللواتي يقدمن شهادات عن معاناتهن. إن قراءة الكتابة النسائية الواقعية سواء في الكتب أو المجلات تستطيع تزويد النساء بالوعي والإدراك المنشود، لكن النقطة الأهم في الكتابة النسوية الجديدة تتجلى بأنها انطلقت من جهات العالم الأربع وعملت على تزويد العالم كله، وليس النساء فقط، بزاوية رؤية جديدة للمرأة والعالم”.
الكتابة النسوية هي الكتابة التي تظهر الروح الأنثوية للإنسان بما هي السِّلم والمحبة والعناية والاحتواء والاستقرار والولادة واستمرار الحياة والارتباط العميق بالطبيعة. من هنا يمكن أن نستحضر الكثير من الأمثلة عن الكاتبات والكتّاب السوريين الذين قاوموا الحرب بالكتابة والنسيان، بالتذكير والإصرار على تسجيل الشهادات وإطلاع الآخرين عليها. من الجدير بالاهتمام هنا الإضاءة على بعض الكتابات على موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك”، حيث يسجل الكثير من السوريين قصصاً ويوميات وشهادات منذ أربع سنوات، يوميات أمهات شهداء، بوح عاشقات ينتظرن الغائبين في عتمة المعتقلات، مهجرات يسجلن تفاصيل بيوت هدمت وحياة سلبت. ربما تكون يوميات “سلوى زكزك” على صفحتها في “فايسبوك” مثالاً مهماً هنا، فهي تقرع الخزان طوال الوقت، لتذكر العالم أنّ دمشق الحزينة مازالت تستطيع أن تبتسم، تروي بشغف “الحكواتي” قصصاً تحمل الكثير من التفاصيل التي قد لا يذكرها أحد:

zaina
“كلما ضاقت سبل العيش، كلما وسّعت السوريات من فسحته وزدنه رحابةً. يتبادلن أرز الإعانة، حسب نوعيته وحسب نوع الطبخة. يتبادلن ملابس الأطفال وأقلام الكحل وأحمر الشفاه وعبوات طلاء الأظافر. يتشاركن الغسالة وحبال الغسيل والملاقط. بالأمس، نقرن الكوسا معاً، أخذن اللبّ حسب الحاجة وتبادلن أقراص العجّة مقابل بعض (الكوسايات). حتى المرق تقاسمنه فصنعن منه فتة بالخبز للعشاء وبرغل ببندورة لغداء اليوم التالي. على طول امتداد خط اقتصاد الحرب ينمو اقتصاد ٌموازٍ، لا ينشد العدالة ولا الاكتفاء لأنهما كذبتان كبيرتان، لكنه شغف التبادل وإتقانه حتى حدود الحد الأدنى من احتراف العيش… إنماءٌ لحيوات موازية بمواجهة موتٍ طاغٍ وفاجر” .
معظم السوريات ومنذ اليوم الأول أدركن أن شهاداتهن هي التي ستضمن مستقبل البلاد، فهرعن بكل ما أوتين من عزم ومن وسائل لتسجيل الذاكرة. وإذا ما جئنا على ذكر رواية روزا ياسين حسن “الذين مسّهم السحر”، وكتاب سمر يزبك “تقاطع نيران”، فهما مثالان مهمان جداً عند الحديث عن الكاتبات السوريات اللواتي فرضن شكلاً جديداً يزاوج بين توثيق الشهادات والعمل الروائي.
أما المدونات فهي لا تقل أهمية في الكتابة النسوية السورية، وعند التطرق للمدونات يخطر مباشرة في الذهن اسم الصحفية السورية زينة ارحيم. تبوح “زينة” في مدونتها بالكثير من المشاعر الشخصية والأفكار، وتسجل الكثير من الصور والتجارب. هي تعيد تعريف الكثير من المفاهيم والمفردات لتتناسب مع الواقع المرّ:
“الحب هو أن يُقبّل يدك على حاجز (داعش) ليثري ذاكرتكما بالقصص التي لا تشبه كل القصص.. وأن يأخذكِ بجولة بعد منتصف الليل ويفتح لك سقف السيارة لأن الخوف يخنقك، تتنفسي…2015_5_3_11_34_32_319
وهو أيضاً أن يبكي معك على فيلم رومانسي بعد أن نجيتما من صاروخ ميغ استهدف سيارتكما واضطررتما للمشي نصف ساعة في عتم مطبق من الشعار إلى صلاح الدين.
الحُب هو أن يهديكِ أنبوب هاون انفجر به وكاد يودي بحياته بعد أن حوّله لآنية للزرع على شكل زهرة متفتّحة”.
الكتابة النسوية ترتكز على التفاصيل التي لا يهتم لها أحد، التفاصيل التي تشكل وجودنا وحياتنا، كما تعبر عنها “حقيبة” المرأة التي تصفها الدكتورة نجاة عبد الصمد في كتابها “حنان الحرب”:
“أشياؤها انساحت على الأرض الحجر: صورةٌ لطفلٍ بزغ له أول سنّين هذا الشهر، مفتاح غرفتها المستأجرة في ملحق بيتٍ في ريف الشام، ورقةٌ نقديّة بنيّة مجعلكة مكتوبٌ عليها: مائتا ليرة، قطع حجرية مجموعها خمسٌ وأربعون ليرة، مشطٌ، بكلة شعرٍ، محرمة يد رطبة، كحلُ غوايةٍ مبريٌّ بعناية، حبّة ملبّس بالنعناع والحرقة، رقم هاتف لم يعد يجيب منذ صار صاحبه هنا، هنا حيث جاءت الآن تزوره، وتحمل له فطائر الزعتر واللبنة البلدية، وثياباً داخلية تفوح منها رائحة الصابون، وفي طياتها مظروفٌ ينغلق على سرّ لم يعد سرّاً حين بدأ يقرؤه حارس السجن، الحارس الذي عليه، قبل أن يسمح لها بالدخول، أن يدلق ما في جزدانها على الأرض الحجر..”
الكتابة النسوية في وضعنا السوري هي سعي دؤوب لمقاومة سرطان اليأس الذي بدأ يتكاثر على نحو تصاعدي في الجسد السوري. هي من يضع تجربة السوريين كجزء مهم من التجربة الإنسانية الكبرى مع المحافظة على روح التجربة الفريدة حيث يكبر الألم والفقد كل لحظة. هي مقاومة النسيان والتهميش ولا مبالاة المجتمع الدولي، مثلما هي أيضاً مقاومة للتعصب والتطرف والإقصاء والكراهية وكل ما يبتعد بالبشر عن كينونتهم الحقيقية.

وجدان ناصيف

من موقع سيدة سوريا علي الرابط هنا