في ذكرى الكيماوي
العربي الجديد – ريما فليحان

مازال أطفال الغوطة نائمين، بعد أن سرقت نسمة مسمومة أنفاسهم ونبضات قلوبهم الصغيرة، ومازال ضمير العالم نائماً، لكنه يتنفس رائحة الكيماوي، المنبعثة من الغوطة منذ عامين. وما زال السوريون يختنقون، حين يتذكّرون ذلك اليوم الأصفر الذي قضى فيه نحو 1500 سوري، معظمهم أطفال، وهم نيام على وقع ضربات الكيماوي الآتية من حقد أعمى، ونظام مجنون قرر أن يستهلك فنون الإجرام بدم بارد، ليستخدمها على من يُفترض أنه شعبه.


وكما العادة، قرر المجتمع الدولي أن يستنكر ويدين ويشعر بالألم، وكان أكثر حزماً، هذه المرة، فقرر أيضا أن يعاقب أداة الجريمة، وأمر بالقبض على السلاح الكيماوي، مع الابتسام للقاتل في برود وحماقة، أدت وتؤدي إلى عشرات الضحايا من السوريين يومياً، وإلى استفحال النظام في جرائمه، وفي تزايد التطرف، وغرق البلاد بفوضى السلاح.
يعيش السوريون أيامهم بشق الأنفس، ويتشاركون انتظار لحظة الانفراج التي ينتهي فيها كل هذا الموت والدمار، ويستيقظ ضمير العالم من سباته، وتتجاوز ردود فعله الامتعاض والتنديد، لتصبح أكثر جدوى وفائدة لعذاباتهم. ينتظر السوريون صحوة شركاء لهم بالوطن أيضاً، والذين لا بد أن يعنيهم اختناق مئات الأطفال كانوا نائمين، في أحياء قريبة منهم ببضعة كيلومترات، لا بد أن يعنيهم، أيضاً، أن نصف السوريين قد شردوا وتهدمت بيوتهم، وأن أبناءهم هم بأنفسهم يموتون، من أجل بقاء شخص واحد في السلطة.
ينتظر السوريون أن تتحرك الآليات الدولية، بشكل حقيقي وفاعل، خصوصاً إثر قرار مجلس الأمن التحقيق بمجزرة الكيماوي، بعد عامين من الحدث، لتحدد الفاعل، المعروف لدينا ولديهم، ولتتحقق العدالة، ويساق القتلة إلى محكمة الجنايات الدولية، لا لشيء، إن لم يعْنهم موت السوريين، بل من أجل الإبقاء على ما تبقى من تصديق لمنظومة القانون الدولي والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ومن أجل أن لا تكرس شريعة الغاب والوحشية في هذا العالم. يجب أن يدرك المجتمع الدولي الذي يتقدم القضاء على الإرهاب أولوياته، أن القضاء على داعش يتحقق، حينما يتوحد السوريون في مواجهته، بعد أن يتخلصوا من هذه المرحلة ويبدأوا مرحلة الانتقال السياسي الذي يحقق تطلعاتهم المشروعة إلى دولة مدنية تعددية ديمقراطية.
ويجب أن يدرك المجتمع الدولي نفسه أن الرعب القادم مع سكاكين داعش جاء نتيجة إهماله، بسياسته الخاطئة والمتباطئة، وقف إجرام الأسد وانتشار الفوضى مبكراً، وأن السوريين يُذبحون يومياً بسكاكين داعش وبراميل الأسد المتفجرة وصواريخه الفراغية وغازه الكيماوي ورصاصات قناصيه، ويصيب الرعب أطفالهم، يومياً، ويشعرون بطعمه الفعلي، ويستنشقون رائحته الصفراء، وليس عبر مقاطع “يوتيوب” وشاشات التلفاز. لقد باتوا يعرفون رائحة لحمهم المحروق، وملامح وجوههم المغبرة بالأنقاض، في مشهد حقيقي من دون مؤثرات.
يخشى السوريون، اليوم، أن يعتاد العالم موت السوريين بطرق متعددة، ويخشون أن تصبح ثقافة العنف مستساغة عند الجيل الشاب الصاعد في كل مكان، ويخشون أن يتعلم كل طغاة العالم، من التجربة السورية، أن قتل الشعوب أمر هيّن، ويمكن إنجازه من دون دفع أية ضريبة قانونية، أو عقاب، حيث بات شعور الضمير العالمي به خجولاً، وصار المشهد السوري روتينياً في نشرات الأخبار، يختلف ترتيبه حسب أولوية المحطات وأمزجة الساسة وبوصلة السياسة العالمية، وحسب جاذبية الخبر للإعلام والشعوب المتعطشة للتشويق.
في ذكرى مجزرة الكيماوي، نتلمس، نحن السوريين، أنفاسنا، لنتأكد من أننا ما زلنا نتنفس، كما نبحث في وجدان الشعوب عن كل تلك القيم والمبادئ الإنسانية، المرتبطة بالعدالة والحق والحريات، فمن شاهد المشاهد القادمة من الغوطة، يومها، لا يمكن أن يستمر بالحياة شخصاً طبيعياً بعدها. من شاهد تلك الجريمة، وصمت عن المطالبة بتحقيق العدالة للضحايا شريك للقاتل المأفون .
في ذكرى المجزرة، سلاماً لأرواحكم، ضحايا الكيماوي.