لمى قنوت

يبدو العنوان رومنسياً وطوباوياً أمام المشهد الدموي العنيف  في سورية، كان يمكن أن يكون صالحاً لو أن نظام السوري استجاب لمطالب الشعب الذي خرج في ثورة ٍسلمية في منتصف آذار 2011 ناشداً الحرية والعدالة والمساواة ودفع باتجاه تغيير سلمي لتداول  السلطة،  لكنه استمر وبوتيرة واحدة ومنذ هذا التاريخ بوصف معارضيه “بالإرهابيين والتكفيريين ” وحّول العديد من النشطاء السلميين إلى محكمة الإرهاب ودفع العديد منهم إلى تهجيرٍ قسري بقصد إفراغ الوطن من أي حراك مدني، ومن بقي منهم يرزح تحت الملاحقة والتضيق الأمني او في أقبية المعتقلات التي لايتوفر فيها إلا شروط الموت.

سريالية المشهد الدامي بدأت بالقصة الرسمية للنظام عندما اتهمت الطفل  الذي قتلوه تحت التعذيب حمزة الخطيب بأنه خرج ليسبي النساء، وباطلاق سراح العديد من الجهاديين خريجي سجن صيدنايا مثل زهران علوش وأبو البراء الشامي وغيرهم وحولوا العديد من المقرات الحكومية إلى مراكز احتجاز واعتقال ملؤوها بمعتقلي الرأي والضمير، سريالية المشهد الدامي في سورية أن يعيد التحالف الدولي ضد الإرهاب، الذي أعلن عدم تنسيقه مع النظام السوري، إعادة تدوير نظام استخدم ضد شعبه أنواعاً مختلفة من السلاح المحرم دولياً والبراميل المتفجرة ويسمح له أن يستمر في قصف المدنيين كما حصل في الرقة في 25/ 11/ 2014 التي أودت بحياة 200 شخص.

سريالية المشهد تتجلى في ايقاع الحياة والموت بين المناطق التي تقع تحت سيطرة نظام دموي وتلك المناطق التي خرجت عن سيطرته، بين مناطق تشهد احتفاليات مصطنعة وانتخابات مزيفة، ومناطق ترزح تحت الحصار الخانق والمميت يتحكم فيها حملة السلاح وتجارالحروب، القاسم المشترك بينهما  القهر والعنف والاستبداد.

تحت وطأة هذا المشهد غض نظره المجتمع الدولي عن دخول الجهاديين وتغلغلهم في المجتمع، استخدموا الترغيب والترهيب على السكان الذين يعانون أصلاً من قصف النظام المتواصل وبراميله المتفجرة، بين ارهاب النظام وارهاب الجماعات التكفيرية التي انبثقت من رحم” القاعدة “مورس على الشعب كل أشكال القتل والعنف والحرمان، لكن المجتمع الدولي تجاهل الضغط من أجل تفعيل وتطوير الحل السياسي المستند إلى جنيف 1 والذي وافقت عليه كل الأطراف وذهب باتجاه تحالف دولي ضد الإرهابيين التكفيريين، ويعلم تمام العلم أنه لم ينجح سابقاً ولن ينجح الآن إذا لم تعالج المشكله الأساسية  المتمثلة في خلطة الجهل والفساد والفقر والاستبداد التي سُيدت لعقود في المنطقة.

هناك جملة تحديات للانتقال السلمي نحو الديمقراطية :

غياب العملية السياسية :

يأخذ منحى تجزئة الحل في سورية منحى غيرعابئ ٍ بدماء السوريين والسوريات ولا بالانتهاكات الممنهجة ضد حقوق الأنسان ولابالتدمير الذي يلحق بالبنية التحتية والآثار، ويبدو الجميع استكان، نتيجة تعقيد المشكلة، لبقاء الوضع كما هوعليه لسنوات ، ناسين أن عدم الجدية واهمال الضغط باتجاه الحل السياسي خلال الفترة الماضية  هو الذي جعل سورية بؤرة جاذبة لكل ارهابيي العالم، لا بل نتج عنه إرهاباً  أكثر وحشية وهمجية “كداعش “ومثيلاتها.

إن الثورة السلمية التي تحولت إلى صراع مسلح بين حاكم ومحكوم انتقلت من مسألة داخلية إلى مسألة وصراع جيوسياسي بامتياز اقليمياً ودولياً،  ولذلك لم يعد ممكنناً  التعويل على حل سياسي داخلي بدون تفاهمات وضغطٍ دولي تحيد سوريا عن جعلها ساحة لمعارك الآخرين، خاصة ً وأن وهم الانتصار العسكري واستمرار التسليح لأي طرف من الأطراف بات كمن يحكم على سورية والسوريين بمزيد من الدمار والدماء، وما يتسرب بين الفينة والأخرى من خرائط ملونة تقسم سورية وفق هوى الحالمين بتقسيمها، سيلفظها شعبٌ خرج يهتف سلمياً ” واحد واحد الشعب السوري واحد “.

إن الحل السياسي المستند إلى جنيف 1 مضى عليه سنتان ونصف ولا بد من تطويره ورفده بخطط محلية ومناطقية لوقف إطلاق النار محلية مناطقية تشرف عليها الأمم المتحدة، تراعي التغيير الكبير الذي طرأ واللاعبين الجدد الذين فرضوا أنفسهم أو أفرزتهم الوقائع  سواءا قادة محليين أو أمراء حرب انفلتوا من عقال انسانيتهم، أي الحل من فوق إلى تحت وبالعكس من تحت إلى فوق، سيؤدي في النهاية إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحيات كاملة، نستطيع من خلالها رسم خطة طريق لسورية المستقبل، الخالية من الاستبداد بكل أشكاله،  دولة مدنية ديمقراطية، دولة المواطنة،الحيادية تجاه جميع مكوناتها وأيديولوجياتهم، دولة تحترم وتلتزم بمواثيق شرعة حقوق الإنسان، وتجرم العنف والتمييز ضد النساء.

غياب واقصاء المرأة عن المشهد السياسي :

غابت النساء بشكل ملفت سياسياً، بعد أن تصدرت المشهد في التظاهرات، وحضرت بقوة في أعمال الإغاثة، تحملت النساء أعبائاً مضاعفة قتلاً وتهجيراً واعتقالاً وجوعاً وتغيرت أدواَرَها، لكن توقها للتغييرالجذري الحقيقي اصطدم بجدار العقلية الذكورية التي لا ترى في مشاركتها السياسية ووصولها إلى صناعة القرار ساحةً لها. ها هي تغيب تقريباً عن المجالس المحلية التي أنشئت في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام بشكل يبعث القلق، وهي مجالس محلية ومناطقية تدير الشؤون العامة للناس وتقدم لهم الخدمات.

وفي الأحزاب والقوى السياسية، حضورها ضعيف ورمزي. فمثلاً، هيئة التنسيق الوطنية التي تأسست في 25/ 6 / 2011، من أصل 25 عضو في المكتب التنفيذي، وهو أعلى مستوى لصناعة القرار، فيه  3 نساء، ونائبة الأمين العام حالياً  سيدة، الإئتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة الذي تأسس في تشرين الثاني 2012 يوجد 3 نساء في الهيئة السياسية من أصل 24 عضو، ومقعد نائب الرئيس ومنذ نشأته تتولاه امرأة.

ورغم كل الحشد والمناصرة الذي قامت به النساء قبيل انعقاد مؤتمر جنيف 2 في 22/ 1/ 2014 من أجل مشاركة فاعلة ووازنة لاتقل عن نسبة30% للنساء، لم يحتو فريقا التفاوض إلا على امرأتين فقط في كل منهما وواحدة في الفريق التقني ضمن وفد المعارضة.

لاشك أن العمل السياسي في دول الاستبداد والطغيان محفوفٌ بالمخاطر، لكن القوى السياسية المؤمنة بالديمقرطية القديمة منها والجديدة لم تبذل أي جهد في استقطاب النساء وإدراج حقوقهن وتبنيها في أدبياتهم، بل غيبتها تماماً وبدت بنفس العقلية الذكورية الإقصائية وبعيدة عن التغيير الجذري الديمقراطي.

إن بؤس القوى السياسية في تحقيق تطلعات الشعب السوري في الحرية والكرامة أدى أيضاً  إلى عزوف السياسيات والناشطات عن المشاركة السياسية، وفضلن العمل ضمن منظمات المجتمع المدني. يقع ترميم تلك الفجوة في النسب الضعيفة للمشاركة السياسية للمرأة ووصولها إلى صنع القرار بالتساوي مع الرجل على كاهل الطرفين، أحزاباً وناشطات، لأنها تعتبر إحدى القضايا التنموية الأساسية التي  تمكن المرأة من التأثير في قضايا السياسات العامة وإدارة شؤون الدولة وتساهم في تقدم المجتمع.

المرأة في المجتمع المدني رائدة وقائدة

بعكس المشاركة السياسية تبدو المرأة كرائدة وقائدة في المجتمع المدني، تنوع مجال نشاطاها وظهرت مدافعة شرسة عن حقوقها المسلوبة منذ عقود، مدافعة عن حقها الكامل في دستور يضمن المساواة الجندرية الكاملة  وواصلت مطالبتها بالعودة إلى طاولة المفاوضات والوصول إلى حل سياسي مستدام مبني على جنيف 1، ولضمان حقوقها في عمليات الإنتقال السياسي  دعت  المبعوث الخاص للأمم المتحدة دي مستورا إلى إعادة هيكلة المفاوضات للسماح بالمشاركة الكاملة والفعالة  للنساء والمجتمع المدني عن طريق:

1.     تضمين منتدى استشاري رسمي للنساء والمجتمع المدني السوري في هيكلية المفاوضات بشرط أن تأخذ الأطراف المتفاوضة النتائج والبيانات والأوراق الرسمية الصادرة عن المنتدى بعين الاعتبار.

2.      تحفيزالأطراف الرسمية للمفاوضات بوجوب تمثيل النساء ضمن وفودها الرسمية بنسبة لا تقل عن30٪.

3.      تشكيل فريق خبراء تقنيين من النساء والمجتمع المدني السوري، على أن تكون نسبة تمثيل المنظمات النسوية لا تقل عن 50%. على أن يكون الفريق لديه تفويض لتقديم المشورة للوسيط الدولي والوفود الرسمية، وله دور رسمي في مراجعة مسودة الاتفاقية.

4.       تعيين مستشار جندري مسؤول عن التنسيق و التواصل مع القوى الفاعلة الممثلة عن النساء والمجتمع المدني.

5.     الطلب  من كل مستشار من مستشاري الوسيط الدولي التقنيين أن يقوم بإدراج الجندرة في مناطق عملهم و التشاور بانتظام مع شبكات المجتمع المحلي النسائية النشطة إلى طاولة المفاوضات     

إن التحديات التي تواجهها الناشطات والنشطاء من أجل الإنتقال السلمي نحو الديمقراطية كبيرة، تتجلى باستمرار الصراع على سوريا وفيها، توقف العملية السياسية الجادة التي تهدف إلى تفكيك الاستبداد وبناء دولة مدنية ديمقراطية، تواصل القمع والملاحقة والإعتقال والإنتهاكات بكل أشكالها وحرمانهم  من حقهم في الحصول على وثائق سفر كإحدى الوسائل الإنتقامية التي يمارسها النظام ضدهم، وممارسات همجية متخلفة في المناطق التي تسيطر عليها القوى المتطرفة الجهادية أدت إلى المزيد من إقصاء النساء عن الحياة العامة وفرضت قيوداً على حرية المرأة في العمل والتعليم والتنقل والملبس.

وعلى صعيد القوى السياسية 

لا يوجد في كل القوى السياسية كوتا مكتوبة كتمييز إيجابي مؤقت تعزز فرص وصول نساء كفؤات إلى مراكز صنع القرار، باستثناء حزب الإتحاد الديمقراطي الذي يعتمدالرئاسة المشتركة ( امرأة ورجل )، ونسبة التمثيل فيه 40%.
غياب حقوق المرأة في أدبيات الأحزاب والقوى.
ضعف التشبيك والتعاون  بين النسويات والقوى السياسية.

ورغم كل التحديات تبدو السوريات إرادةً لا تلين في سبيل التغيير الجذري الحقيقي، وبناء سورية المستقبل، الموحدة أرضاً وشعباً.